محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
113
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
ومن أسرار الفاتحة الكلام على أعداد الآيات والكلمات والحروف ، وتقدير العدد فيها على المعدود ؛ وأنت تعرف أنّ الفاتحة سورة واحدة ، ثمّ قسّمت نصفين كما ورد : « قسّمت الصلاة بيني وبين عبدي » وعرفت أنّ النصف الأوّل تعريف والنصف الثاني تكليف . ثمّ قسّمت أثلاثا ، فثلث محامد اللّه تعالى خاصّة ، وثلث محاويج العبد خاصّة ، وثلث بينهما ، كما قال - عزّ وجلّ - في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ : « هذا بيني وبين عبدي » . ثمّ قسّمت أرباعا ، وهي الوقوف الأربعة فيها : الرحيم ، الدين ، نستعين ، الضالّين ؛ وفي المعنى : التسمية ، والتحميد ، والتعبّد ، والهداية . ثمّ قسّمت أخماسا ، وهي : الأسامي ، والمحامد ، والتعبّد ، والحاجة إلى التوفيق ، وطلب الهداية . ثمّ قسّمت أسداسا ، وهي : الأسامي على المبادئ ، والمحامد على الكمالات ، وإفاضة الرحمة على عالمي الخلق والأمر ، وإقامة الطاعة في حالتي الاستطاعة والاستعانة ، والتولّي لأولياء اللّه والتبرّي من أعداء اللّه . ثمّ قسّمت أسباعا ، وهي سبع آيات متناسبة المبادئ والمقاطع ، وهي السبع المثاني متوازية الألفاظ والمعاني . ثمّ كلماتها التامّات التي يفهم من كلّ واحدة منها معنى تامّ ، اثنتا عشرة كلمة ، ثمّ كلماتها المفردات ثمانية وعشرون كلمة ، ثمّ حروفها إن عدّت على ولاء المكتوب فمائة واثنان وأربعون ، وإن عدّت على ولاء الملفوظ فمائة وأربعة وأربعون ، وهي من ضرب اثني عشر في اثني عشر . ومن الذي يعرف أسرار هذه الأعداد وتركيبها على المعدودات ، وأنّ الوحدة فيها تقابل وحدة الأمر ، وأنّ الاثنين فيها تقابل العالمين : عالمي الخلق والأمر ، والجسماني والروحاني ، وأنّ الثلاثة فيها تقابل المبادئ الأولى : الأمر والقلم واللوح ، وأنّ الأربعة فيها تقابل كلّ ما هو أربعة ، وأنّ الخمسة فيها تقابل كلّ ما هو خمسة ، وكذلك الستّة والسبعة والاثنا عشر والثمانية والعشرون حتّى يتقرّر أنّ العالم كلّه فيها ، وهي مفاتيح الغيب ومقاليد السماوات والأرض ، وفاتحة كلّ كمال ، وخاتمة كلّ مقال ، فتحت بالثناء ، وختمت بالدعاء ، وهي شفاء من كلّ داء . وفي الخبر عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « كلّ ما لا يشفيه الحمد لا يشفيه شيء » 410 وعن عبد اللّه بن عبّاس : أنّ عليّا - رضي اللّه عنه - ابتدأ معي شرح الفاتحة من العتمة ( 45 آ ) فأصبحنا وما فرغ عن شرح باء بِسْمِ اللَّهِ .